
علي غرار كل مرة
رفعت أصابعي تتلاعب علي الكيبورد الأسود المفضض الذي لطالما أحببته ... وبدأت أحفر الكلمات علي الشاشة البائسة المفتوحة أربعة وعشرين ساعة ... ثوان وتوقف أصابعي عن طرق الكيبورد آليا ... تذكرت الكثير من الكلمات ... الكثير من الوجوه ... والأشخاص .. ينتقدون موضوعاتي ... رومانسية رومانسية ... حتي أنا مللت نفسي ... أردت أن أكتب كثيرا في مجالات أخري .. انتهي بي الأمر خارج الإطار النثري تماما ... وانا أكبر جاهلة فيما يخص الشعر !
توقفت ... كدت أغلق الجهاز مللا وتأففا ... فليست هناك مقطوعة متناغمة مؤثرة جميلة أضيفها إلي رصيدي من الأعمال ... لقد أفنيتها كلها في لغظي وسخطي عن الحب ... أردت حقا أن أكتب ... ولكن كلماتي عند هذا الحد وتوقفت عن التدفق ... توقفت ... وتابعتني الأعين يوما بعد يوم ... هل من جديد ؟... لا ليس هناك جديد ... لست أقدر علي الجديد ... لست أحوي بداخلي من جديد ... لست أستطيع تجسيد الخوف والقلق ... لست أستطيع تجسيد الرهبة وما يصاحبها من جبن !
أنا حبيسة بداخلي ... أسيرة نفسي ... وأنا التي لطالما وجدت الطريقة التي اعبر بها عما أغمني ...خانتني الكلمات ... خانني كل شيء ... وأصبحت مجرد أخري ... خوفي العتيد !... خوفي !... أنا ...
أعترتني موجه من الهذيان ... أرق... وأرهاق ... ضحك ... تخريف ... وسياط تضربها الوحدة .. علي حواسي الخمس ... لأصبح عاجزة بكل ما للكلمة من معني .. ويالبراعتي في تصنع هذه البسمة المتخللة بالفرح ... ولا تزال المرارة تعتصر كبدي حتي انزوت أعضائي نفورا منه!
ثم نظرت إلي صورة ما معلقة علي جدار غرفتي ... تلك الغرفة البعيدة عن مجون المدينة العامرة ... فوق فوق في الفضاء ... تطل علي خضرة ما أحلاها ومياة ما أروعها... وكلمات قالها صديق في النهر الخالد ...صورة فتاة صغيرة تحتضن دميتها ... صورة رسمتها وأنا في العاشرة وأبيت إلا أن أعلقها في المنزل الجديد .. فكلما انتقلنا كانت لها بقعتها المميزة ... احببتها حقا .. كانت أول ما رسمت وأفضل ما رسمت ...
تبسمت ... رأيت تلك الخطوط المهتزة الصغيرة ... وبسمة الفتاة ... كم تمنيت أن أعود إلي العاشرة .. كم تمنيت ذلك ... تركت الكيبورد يسقط علي أرض الغرفة الوردية .. وتركت ظهري يحتضن الكرسي الأحمر الواسع الوثير ... وبقدمي _ كما كنت طفلة _ اضرب المكتب ليلتف الكرسي ويدور .. يدور ويدور ... ليحمل إلي عبق الماضي ... وفحيح صادر من الستائر عشية ميلادي العاشر ... في اليوم الذي أدركت فيه أنها آخر سنة لي في الابتدائية ... وآخر سنة مع أصدقاء لربما لن أراهم مجددا ... لم يكن العقل خيارا وانا طفلة ... كنت طفلة .. أحب الطفولة وكون الطفولة ولعب الطفولة وشقاوتي أحلي ما ورثت عن أمي ... ياااه أمي ... تقف علي الباب بعينيها البنيتين الواسعتين ... تنظر إلي طفلتها الكبيرة ... وتتسائل ماذا يحمل الغد ... بينما يدخل شقيقي الاصغر إلي الغرفة ...
أتذكر الآن كم أحببته في صغري ... كم كنا أخوة ... كان قد أحضر لي هدية ... وقف بغمازتيه وعينيه البريئتين يسألني أن أفتحها ... قبلته واحتضنته طويلا ... كانت ساعة .. أول ساعة حقيقية أحصل عليها ... كانت مزينة بشخصيتي المحببة ميكي ماوس ... لا أذكر مدي فرحتي ... فقط أذكر عينا أخي ... وفرحته ... أخي الذي لا أستطيع الجلوس معه في نفس الغرفة اليوم ... لم تمر سوي سبعة أعوام ... ماذا تغير ؟ ... تغير الكثير
عدت أدور بالذاكرة إلي الوراء مع هذا الكرسي الدوار ... أدور وأدور وكأنني آمل في أحدي دوراتي أن ألقي في زمن بعيد ... بعيد جدا لا يراني فيه أحد ... توقفت أمام فتاة ذات ضفيرة واحدة قصيرة ... ومريلة قصيرة ايضا .. قصيرة جدا ... وحذاء أسود مربوط بحنكة ... وشراب قد ثني بالمكواه جيدا !... وقميص ناصع البياض يتحدي النواظر ...
أتذكر تلك المدرسة جيدا ... المدرسة الاعدادية ... وجوه غريبة .. وإناس غريبة ... وصداقات كانت قوية تفتت علي أيدي هذه المدرسة ... لا أعلم هل كرهتها أم احببتها ... ولكني أعترف حقا بفضل هذه المدرسة ... لقد علمتني الكثير .. علمتني أن التفوق قد يكون نقمة ... وأن هناك الكثير من المتملقين في العالم ... لا أذكر متي نزعت عني ثوب الفتاة الملتزمة ... متي انتزعت هذه المريلة القصيرة والضفيرة ... ولكني أذكر نفسي بعد سنتين فقط ... كائن آخر ... تركت حياتي خلفي ... كل الحياة ... كل ما كونته في سنين ... أعدت تكوينه ... هذه المرة بحذر شديد ... خطوت أول خطواتي داخل عالم الأنطوائية الواسع ... وأغلقت تلك القوقعة الفضيه حولي ... زينتها بوجوه متبسمه كثيره ونظرات تكاد تخنق الناس من فرط قوتها ... تعلمت ... تعلمت الكثير ... ولا ازال اتعلم ... بالرغم من ذلك لا أتوق الي شيء بحياتي مثل هذه الفتاة الصغيرة ... تلك التي لم تكن تعلم معني الاذي ...
سأكف عن الحديث عنها ... فأنا حقا أراها مبهمة المعالم .. خفية ... مثل تلك الابتسامة المرسومة علي صورى وانا في الثالثة من عمري ... هل كنت بهذه السعادة ... لم أنا الأن لا أحلم ببسمة من هؤلاء ...
الان أذكر ... تلك اللمحات الفلاشية أعادتني إلي أول قصة رومانسية اوقعتني في شباكها ... كنت دوما أقول أنها انتصار منصور العقيل بسحرها الخلاب ... ولكني أعلم عن يقين ... إنها روميو وجولييت .. ترجمة أحمد با كثير ... أول محاكاة لي والتعريف الوفي للحب الذي لطالما احببت التغني بحروفه "- إنه الحب ...دخان صاعد تزجية نفس المحب،فإذاشيف فنار تتلظى في عيونه،وإذا أحرج فهو البحار صخّابا بأمداد دموعه، ثم ماذا بعد ؟ نوع من جنون كله طيش وحمق _حنظل مر وحلواء شهية"... كانت تجربه مثيرة ... لم أكمل الكتاب ... لم أحتمل كمية مماثلة من التأثير .. كنت أقرأه ليل نهار ... يرافقني النوم ويقظة ... كان العام المنصرم هو بدايات دخولي لعالم الرومانسية ...
نعم اتذكر ... لم تكن روميو وجولييت ... كانت أول رواية لي ... سحر الأحبة ... لم تكن تتحدث عن الحب بمفهومه اليوم ... كان حبا من نوع آخر .. حب جنوني ... طائش ... ثائر ... مضحي متفاني... كانت تدرس الخيبة العالية ... والغيرة المفرطة ... كانت تدرس الحب بمعناه البدائي اللذيذ ... لم تكن تعتمد علي اللذات ... كانت تري أكسير الأخوة داخل النفوس فتزوجها ... نفسان اصبحتا واحدة ... كم احببت النهاية ... الكل رأي أن البطلة قد قضت نحبها ... ولكني أذكر أني احييتها ... احييتها في قلب كل من قرأ الرواية ...
الآن أذكر ... عينان أخريان ... أذكر شخص أثير إلي نفسي .. أذكر كلماته ... وأذكر الفراق المضني ... أذكر جهلي لكل معاني الفراق ... أذكر سخطي علي الاسباب ...أذكر أني كنت ولا زلت ... تائهة في عالم بلا معاني
توقفت عن الدوران وقد انزلقت دمعة علي خدي الايسر ...ورفعت الكيبورد من علي الارض .. بدأت أخط ولأول مرة قصتي ... بعيدا عن الرومانسية ... وفي حضن الخصوصية ألقيتها كمثيلاها ... لأنتقل الي عالمي الاخر
توتا
2 comments:
i cannot understand a word of this...
u don't ve 2 emo
Post a Comment